ابو البركات

88

الكتاب المعتبر في الحكمة

الفصل الحادي والعشرون في تصفح ما قيل من التناهي واللاتناهي في الزمان قد كثر الخلاف بين العلماء في تناهى الزمان ولا تناهيه فالذين قالوا بتناهيه قالوا إن الزمان ان كان لا يتناهى فليس بمخلوق ولا له مبدأ فهو مبدأ أول لان الذي لا مبدأ له ليس الا واحدا فمن قال بقدم الزمان فقد جعله ذلك الواحد أو شريكا له وقال قوم ان الزمان هو الدهر في الحقيقة والدهر هو اللّه تعالى وزمانيته بقياس المتغيرات الوجودية ودهريته هي سر مديته وأبديته . وقال قوم ان الزمان هو أول ما خلق اللّه تعالى في الأزل وهو صانعه وفاعله ولا يتقدم عليه الا بالذات لا بالزمان فان التقدم على الزمان لا يتصور ان يكون بزمان وقال قوم انه متناه محدود وليس بقديم - فاما القائلون بان الزمان لا يتناهى فهو المبدأ الأول أو شريكه في القدم فقد أجيبوا بان قيل لهم ان التقدم والتأخر يقال على وجوه عدة متقدم بالطبع كالواحد على الاثنين ومتقدم بالمرتبة وهو الأقرب فالأقرب من مبدأ مفروض ومتقدم بالعلية كعين الشمس لشعاعها الفائض عنها ومتقدم بالزمان اما في الماضي فيما كان ابعد من الآن واما في المستقبل ففيما هو أقرب إلى الآن - والقديم الأزلي يتقدم على الزمان تقدم العلة على المعلول كالشمس على شعاعها وتقدمه عليه بالعلية لا بالزمان فان المتقدم على كل وجه انما يتقدم على المتأخر بشيء غيره لأنه فلا تتقدم الشمس على شعاعها بشعاعها بل بالعلية ولا الواحد على الاثنين بالاثنين بل بذاته ولا الأقرب من المبدأ على الابعد بذلك الا بعد بعينه بل بالمرتبة التي هي قريبة من المبدأ فكذلك لا يتقدم موجد الزمان على الزمان بزمان . فان قيل إنه يتقدم عليه بالدهر الذي لا كيان فيه - قلنا فهل في ذلك للدهر قبلية وبعدية فان قيل نعم قلنا فذلك هو الزمان قد سمى باسم آخر وان لم يكن لم يتقدمه بزمان ولا بينهما قبلية ولا بعدية زمانية بل علية وذلك هو الذي نقول فما هو هو ولا هو شريكه في القدم - واما القائلون بان الدهر هو اللّه تعالى فلا نعارضهم في